1 نوفمبر 2005- حين بدأت بلدان في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق تحوّلها التاريخي من اقتصادات التخطيط المركزي إلى اقتصادات السوق قبل سنوات، كان فقدان الوظائف أمراً متوقعاً. غير أن الاعتقاد الشائع حينئذ كان مفاده أنّ معدل البطالة المرتفع سيكون مؤقتاً - حيث ستنخفض معدلات البطالة المرتفعة حالما يبدأ القطاع الخاص الناشئ في توفير الوظائف. لكن تقريراً جديداً للبنك الدولي يفنّد هذا الاعتقاد، إذ يشدد على أنه بعد انقضاء نحو 15 عاماً لا تزال مشكلة البطالة مستمرة في هذه المنطقة. ويحلل هذا التقرير، الصادر بعنوان تعزيز فرص العمل في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق، نواتج التوظيف في 27 بلداً من البلدان السائرة على طريق التحول إلى اقتصاد السوق منذ سقوط الشيوعية. ويشرح ستيفانو سكاربيتا، الذي شارك في إعداد هذا التقرير، ذلك قائلا إنه في حين حققت كافة بلدان المنطقة إصلاحات باهرة خلال العقد ونصف العقد الماضيين، تفتقر معظم البلدان إلى توفر فرص عمل جديدة. الآثار الرئيسية يقول آروب بانيرجي، وهو المشرف على هذا التقرير ومدير قطاع في إدارة التنمية البشرية والاقتصاد بمكتب منطقة أوروبا وآسيا الوسطى في البنك (ECA)، "شهدت هذه المنطقة تحسينات هائلة في النواتج الاقتصادية منذ عام 1990." ويضيف محذراً، "ما لم يتوفر المزيد من الوظائف الأفضل في هذه المنطقة، من الممكن أن تتوقف عملية تخفيض أعداد الفقراء التي شهدناها في السنوات الأخيرة. وهذا بدوره سيقوض في الواقع المساندة السياسية للإصلاحات." مشكلة متغيّرة يؤكد هذا التقرير على أن المشكلة الخاصة بسوق العمل تتباين تبايناً كبيراً من بلد إلى آخر في المنطقة. ويقول ستيفانو سكاربيتا، الذي شارك في إعداد هذا التقرير وهو مستشار معني بأسواق العمل وكبير الخبراء الاقتصاديين في مكتب نائب الرئيس لشؤون التنمية البشرية والحماية الاجتماعية بالبنك "في البلدان الأعضاء الجديدة في الاتحاد الأوروبي وتلك الساعية إلى الانضمام إليه، فإن المشكلة في سوق العمل تكمن في الواقع البطالة وعدم توفّر فرص العمل على المدى الطويل. "ففي هذه البلدان، يزيد معدل البطالة على 10 في المائة ويقضي نحو 50% في المائة من العاطلين أكثر من عام يبحثون عن فرصة عمل." ويذكر هذا التقرير أنه حتى في البلدان الأسرع في تنفيذ عمليات إعادة الهيكلة مثل بولندا والجمهورية السلوفاكية، فإن معدل البطالة بلغ 19 و18.2 في المائة من قوة العمل على التوالي عام 2004، وذلك رغم تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة. ويقول يان روتكوفسكي كبير الاقتصاديين في مكتب منطقة أوروبا وآسيا الوسطى والذي شارك في إعداد هذه الدراسة، "في بلدان أخرى، في البلدان المنخفضة الدخل في آسيا الوسطى، فإن المشكلة في الواقع هي نوعية الوظائف. فالناس لديهم وظائف لكنها بشكل عام وظائف ذات إنتاجية متدنية للغاية وتُدفع مقابلها أجور متدنية." ويخلص هذا التقرير إلى أنه في البلدان الأبطأ في تطبيق الإصلاحات في الاتحاد السوفيتي السابق مثل أذربيجان ومولدوفا وأوكرانيا، فإن الكثيرين من أفراد قوة العمل متشبثون بوظائفهم التي تدر دخلاً متدنياً وإلا اضطروا إلى العودة إلى الزراعة التي لا تتيح سوى الكفاف. تغيّر طبيعة الوظائف بشكل عام، يفيد التقرير بأن أكبر تغيّر طرأ منذ التحول الاقتصادي كان هو الانتقال من عمل آمن، وإن كان لا يدرّ دخلاً كبيراً، إلى وظيفة أقل استقراراً لكنها تنطوي على إمكانيات أكبر للدخل. لكن التقرير يشير إلى أنه في البلدان المنخفضة الدخل في الاتحاد السوفيتي السابق، فإن الوظائف العارضة وغير الرسمية هي التي زادت بحدة، بالقدر الذي يجعلها الآن في المستويات السائدة في البلدان النامية. وكان للتغيير الذي طرأ على طبيعة الوظائف بشكل عام تأثير على الرجال أكثر منه على النساء. إذ فُقد الكثير من الوظائف في القطاعات التي يهيمن عليها الرجال مثل الصناعات الثقيلة. وعلى النقيض، لم تجد النساء صعوبة، بنفس القدر، في الحصول على فرص عمل في الأنشطة الجديدة التي نشأت في قطاع الخدمات. إستراتيجيات من أجل المستقبل يدعو هذا التقرير إلى تطبيق نهج ذي شقين لتوفير مزيد من الوظائف الأفضل، مشدداً على أنه من الناحية السياسية فإن خلق وظائف دائمة وقادرة على الاستمرار سيعزز مساندة زيادة إصلاحات السوق. ويقول سكاربيتا إن الشق الأول يدور حول تحسين مناخ الاستثمار، بتوفير بيئة تتيح الحافز الحقيقي لجميع أنواع الشركات للاستثمار وتوسيع نطاق أنشطتها وتوظيف المزيد من العاملين. وفي حين قامت معظم بلدان المنطقة بتعزيز مناخ الاستثمار لديها في السنوات الأخيرة، لا تزال هناك قيود شديدة. فعلى سبيل المثال، فإن تشغيل شركة لأنشطة الأعمال التجارية في إحدى البلدان المنخفضة الدخل في الاتحاد السوفيتي السابق تنطوي على مخاطر كبيرة بسبب عدم أمن حقوق الملكية، وضعف إنفاذ العقود، وعدم إمكانية التعويل على البنية الأساسية. وفي البلدان المتوسطة الدخل في الاتحاد السوفيتي السابق، مثل بيلاروس وكازاخستان وروسيا وأوكرانيا، تشمل بعض تلك القيود الكثير من الإجراءات البيروقراطية، واللوائح التنظيمية التي لا تتسم بالكفاءة، والحاجة إلى استصدار عدد هائل من التراخيص. وفي وسط وشرق أوروبا، من شأن ارتفاع التكاليف المباشرة مثل الضرائب واللوائح المنظمة لسوق العمل المرهقة إعاقة القيام بأنشطة الأعمال. ويوضّح سكاربيتا أن الشق الثاني من ذلك النهج هو "تحسين قدرة سوق العمل على التأقلم – سوق يكون لصاحب العمل فيها الحافز الحقيقي لتوظيف مزيد من العاملين، لكن حيث يجد العاملون أيضا مساعدة في الانتقال من وظيفة إلى أخرى." لكنه يوضّح بشكل عام أن مشكلة الوظائف لن تُحل بمجرد إنفاق الأموال على تنشيط إجراءات سوق العمل، وذلك لأن الشركات الحديثة العهد والصغيرة الحجم التابعة للقطاع الخاص هي التي تتيح الوظائف مما يجعل الحكومات بحاجة إلى تطبيق إصلاحات مشجعة لأنشطة الأعمال. ويستطرد قائلاً، "لن يكفي لحل المشكلة الأساسية برامج وسياسات توظيف ترمي إلى إعادة تدريب العاملين أو مساعدة العاطلين." |